|
|
||
|
************************* الصمود على الهزيمة صلاح أبوراي – لندن
لو كان الإختلاف في الرأي يفسد للود قضية ،لما كتبت هذا المقال ولما كتب أخي وصديقي ورفيق الدرب محجوب محمد علي مقاله " فجر الإنكسار أم الحنين الى الشعار" . لكن اثراء الساحة بأكثر من رأي وبأكثر من قراءة هو الذي نقل هذا النقاش من الهاتف الى الموقع الالكتروني. دعني ابدأ بالعبارة الثانية في عنوان المقال وهي الحنين الى الشعار، والحنين الى الشعار يعني الإنتقال للدفاع عن الوطن الكيان والسيادة بدلاً عن المجتمع والقومية وهذه مصطلحاتنا الداخلية! وهذا التوضيح للقراء. تغيير الأراء والانتقال من رؤية الى رؤية اخرى ومن شعار الى شعار آخر هي ظاهرة تعبر عن صحة عقلية لا سيما اذا كانت مبنية على نقد ذاتي ومراجعة للفكر من خلال النتائج التي انتجها وحققها على الواقع، فالنضال يجب ان يتم من اجل تحقيق قضايا شعب بكل ابعادها الخارجية وتعقيداتها الداخلية وليس من أجل انتصار فكر، فالذي يناضل من اجل افكار وتصورات غير واقعية وغير مجدية هو أسير فكر وايدلوجي يموت ويحيا من أجله وإن كانت تلك الافكار لا تنتج الا الهزائم والإنكسار، وقد تكون نجحت هذه الأفكار في موقع آخر نتيجة معطيات وظروف ولا تنجح في موقع آخر لانعدام تلك المعطيات تماماً كما يشير المفكر مالك بن نبي في أهمية وعي المعادلة الإجتماعية عند اسقاط الفكر. والمثال الذي ساقه هو ان العالم الإقتصادي الألماني الذي وضع خطة النهضة الإقتصادية لالمانيا بعد الحرب العالمية الثانية ونجحت نجاحاً عظيماً هو نفس العالم الذي طلبت منه اندونيسيا تطبيق خطته في اندونيسيا وفشلت فشلاً ذريعاً فيها لاختلاف المعادلة الإجتماعية التي اسقط عليها تصوره . وبالمثل إن طرح القوميات والقبائل والفيدراليات التي ناضلنا على مدى العشر سنوات الماضية من أجل انجاحها في ارتريا فشلت لأننا حملنا حلول وتصورات لدول أخرى وذهبنا بها الى بلادنا حيث الواقع المختلف والمعطيات المغايرة والأولويات المتبدلة وفشلنا كما فشل العالم الألماني في اندونيسيا. علينا الإقرار بالفشل لاننا لم نخن الفكر ولكن خاننا وخذلنا لعدم وعينا بواقع شعبنا وضروراته وأولوياته أي معادلته الاجتماعية. كنا ننادي بتحويل الصراع الى صراع قومي وبتقسيم فيدرالي وكنتون قبلي وكنا نجاهر بأرائنا ونسعى لاقناع الساحة السياسية بها بل واسسنا أكثر من عمل من أجل خدمتها لكننا فشلنا وبالاحرى أن أقول أنا فشلت واخطأت كثيراً في حق شعبي وأعتذر ، لكنني لم انكسر. كنا ننادي ان تخوض الفئات المتباينة لغوياً في مجتمعنا بصورة مجتمعة "متحالفة" أو بصورة متفرقة نضالات مطلبية تحقق لها السلطة والثروة ونسقط من طرحنا الواقع الموضوعي والنسيج الإجتماعي الارتري المتداخل والمتشابك والهوية الارترية التي خلقتها نضالات وبطولات دموية لأكثر من ثلاث عقود حتى اضحت أقوى هوية وطنية في المنطقة يصعب التنازل عنها أو تبديلها، كنا نسقط من حساباتنا الواقع الموضوعي وسقطنا، كما يقول الدكتور نديم البيطار في كتابه " سقوط الإنتلجنسيا العربية" التي سقطت حيث الواقع الموضوعي غير موجود في وعيها ولا تبني فكرها وتصورها على معطيات وحقائق الواقع وكأنه غير موجود. فمجتمع يحلم بعض افراده ان يشربوا ماءاً نقياً ولو مرة في حياتهم ويتمنون اليوم الذي يأتي به الله وينام دون سماع أزيز البعوض المسبب لمرض الملاريا وجهده وكده وكدحه يصارع به الحياة من أجل توفير الخبز الحافي لابنائه .. كنا نطالبه أن ينتظم من أجل خوض نضالات قومية لانتزاع السلطة !! كم كان الأمر مخجلاً ؟ وإن كان ما يشفع لنا في تلك الحالة هو حسن المقصد حيث لم يكن بيننا أحداً عنده طموح أكثر من خدمة شعبه الا القلة القليلة الذين يعرفهم الجميع. قال لنا أحد الأخوة ويدعي " يعقوب شكر" بعد ان استمع الينا جيداً وكنت وبعض "الرفاق" ضمن مجموعة ننظّر في النضالات القومية والحدود الفيدرالية والتقسيمات القبلية حيث قال بعد ان فرغنا من حديثنا " أنا لم أجيد اللغة كما تفعلون ولا أعرف الفلسفة والسياسة ولكن خذو مني قولاً واحداً هو إنكم تقولون كلاماً لم يجرؤ أحداً على قوله في وطننا والشعب الأرتري سوف لن يقبلكم وستفشلون سريعاً وبيني وبينكم الزمن" . قد لا يكون الأخ نال ما نلنا من علم ، ولكن بوعيه المتقدم عني ورؤيته الثاقبة كان يعلم يقيناً مآل تلك الافكار والترهات التي كنا نقول ونعتقد . فعندما تستخدم الفكر كأداة يمكن محاكمته ومجادلته وتقييمه فيما إذا كان آهلاً لحل المشاكل وتحقيق المقاصد وتقرر ما اذا مجدياً أم لا؟ أما عندما يستخدمك الفكر فإنه يجعل منك كأن بك مس من الجن (والعياذ بالله) يؤدي الى أن تطالب بنضالات قومية وصدامات ثقافية في مجتمع غير مؤهل لها بنيوياً. أو نسخ نظام فيدرالي والذي هو يعالج إرادات متصارعة بين أبناء الوطن الواحد وتطبيقه في ارتريا بالرغم من عدم وجود إرادات متصارعة أصلاً! بمعنى كنا نأتي بالحلول "المعلبة" ونبحث لها عن مشكلة في ارتريا بل وكنا نسعى من أجل إنتاج المشكلة وخلقها من أجل تطبيق تلك الحلول المعلبة. وذهبنا أبعد من ذلك كثيراً حيث اصبح الكيان الوطني في وعينا القومي هوساً وقلة وعي والترفّع عن هموم الوطن وقضاياه ومشاكله اصبح سمو قومي وثقافة مجتمعية، وكلها تعبيرات ذرائعية لتبرير حالة الشتات والضياع وعدم المقدرة لمجابهة الذات وتنقيب العجز، حتى تتماهى النفس المأزومة مع واقعها الجديد وتنظّر من أجل قبول الحالة الجديدة ثم ينتهي الوعي الوطني وتفنى معه الشخصية الوطنية. فقط المطلوب هو الثبات على الضياع والصمود على الهزيمة والزمن كفيل لطمس الهوية الوطنية وتذريرها. الحمد لله لقد تحللتُ من هذا الفكر القاصر الغريب الذي لطالما حذرنا منه الأخ والصديق القريب والبعيد الجاهل والمتعلم وكنا نعتقد بأن جدليته الصعبة والمعقدة هي التي تحول دون استيعابه وتبنيه، ولكن مع مرور الوقت اتضح بأن تلك الدعاوي القومية والفيدرالية هي دعاوي غير مقبولة لدى الشعب الارتري، والطلاق منها هي حالة صحيحة يستوجبها الواقع وتفرضها الضرورة. من أجل ذلك أخي أبو أحمد ليس الحنين الى الشعار فقط كما عنونت مقالك بل أحمله وأرفعه عالياً وهو حب الوطن والكيان والسيادة الإرترية. ومستقبلنا ومستقبل اجيالنا مرهون فيه وعلينا مجابهة مشاكلنا الوطنية كباقي الشعوب دون تبرير غيابنا باسقاط الكيان الوطني من وعينا حيث لا بديل لنا الا ارتريا وحل مشكلاتها وطرح المبادرات والإسهام في الحلول هو من واجبنا الاخلاقي والديني والوطني (الكياني) مع كافة الأطراف حيث نعرف جيداً أين امسى بنا الحال رفض العمل مع الآخرين، ولا نريد ان نموت "كيتاً" ونصمد على الهزيمة أكثر بعد التجربه الطويلة مرة أخرى. ومن لا يريد هذه الحلول فهو يسهم في اطالة عمر الأزمة جهلاً أو عمداً. هذا بالنسبة الحنين للشعار، أما فيما يتعلق بإثيوبيا أخي محجوب فإن اثيوبيا أكثر من كونها دولة جارة أو "محورية" فهي بُعد ثقافي وديني وتدخلاتها في الشأن الارتري مخيف ويعبر عن إخلال بالتوازن الثقافي والديني والخوف منها مشروع، ليس بالنظر من ثقب التاريخ بل من خلال الابواب المشرعة والفضائيات الواسعة والواقع الموضوعي الذي يعيشه انسانها غير التجراوي. ونعرف جميعنا بأن أثيوبيا تعتبر الكثير من التنظيمات أغطية لمشروعها وفي واقع الأمر فإثيوبيا لها تنظيماتها ورجالاتها في الساحة ونناقشهم في مشروعهم نحذرهم من مغبة مسلكياتهم والحذر منها أمر مشروع خاصة من المسلمين. وتعلم جيداً يا أبا أحمد باليوم والساعة بداية هواجسي من اثيوبيا بأنه ليس حدثاً طارئاً أو سوء مقصد بل حذر مؤسس وواعي ومعايش بالتجربة اليومية من خلال العمل العام. أما الصومال وأوغادين والإجرام الإثيوبي فيهما فأحيلك الى جهة لا عندها مصلحة في تجريم اثيوبيا أو تجميل صورتها وهي جهة دولية معنية بحقوق الإنسان في العالم وهي منظمة هيومن رايت ووتش – ومقرها نيويورك وليس الدوحة - التي وصفت اثيوبيا بأنها تمارس جرائم حرب في اقليم اوغادين والصومال، وإن هذه التهمة تمهد لمحاكمة حكامها بتهمة جرائم حرب في المحاكم الدولية. هذا إذا لم نريد ان نصدق ما تشاهده أعيننا وما يتوارد من أخبار العالم حول إبادة شعب اوغادين والصومال ، وليس ابداً محجوب الذي أعرف من ينفي تلك الحقائق ويتنكر لتلك الجرائم لغرض لم افهمه ولم استوعب مقاصده!. أما ما أسميته من ان أثيوبيا كانت القابلة لولادة دولة ارتريا هي الأخرى مخالفة للحقيقة ، فتجراي ثورة وسلطة صنيعة ارترية والإرتريون هم من أوصل التجراي الى سدة الحكم في اثيوبيا وإذا كنت في اثيوبيا في تلك الفترة لرأيت بأم عينيك كيف إن اثيوبيا أصبحت متسعمرة ارترية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ويشهد بذلك الاثيوبيون قبل الارتريون. فمن أجل ماذا ندافع عن اثيوبيا ونخالف حقائق اجرامها ومخطط مشروعها في المنطقة وفي ارتريا ؟ وأين تكمن مصحلتنا معها ؟. أخيراً فإن زمن الإنكسار قد ولى منذ زمن بعيد ، زمن كان يحكم اسياس افورقي دولتين في آن معاً – اثيوبيا وارتريا- لم تنكسر ارادتنا ، فما بالك اليوم والنظام يعيش آخر انفاسه وسوف يلفظه بنضالاتي ونضالاتك ونضالات الشعب الأرتري من الداخل وليس بتعليق الآمال على المجرمين .
ولك كل الحب والإحترام ،
|
||
|
|
||
|
|
||
| جميع حقوق النشر محفوظة © مجلة النهضة2001-2002 | ||
|
|
||