*************************

بسم الله الرحمن الرحيم

الرجل الخارق

مريم دنكلاي

2011/11/21

ذات مرة قبل أكثر من عشر سنوات حججتُ مع البعثة الإرترية ، فكانت حجة مريحة وكلفتها المادية زهيدة، لكن حدث فيها موقفاً غريباً لايُنسى فكان من البليات المضحكات،تلقيتُ فيه درساً عملياً  وظهر لي جلياً كيف تسوء أحوال أي مؤسسة حين يمسك بزمام الأمور فيها بعض الجهلة والمختلين عقلياً.

لاحظ بعض الشباب العربي الذي لايراعي حرمة الزمان والمكان أنَّ الحجاج الإرتريين ينامون بالليل مبكراً،لذلك بينما كانت جميع النساء تغط في نومٍ عميق سوى ثلاثاً من المغتربات يقظات أنا إحداهن- وكنَّا نتجاذب أطراف الحديث ، فإذا بنا نفاجئ  باثنين من الشباب العربي يداهم مخيم النساء الإرتري بجرأة عجيبة ودون سابق إنذار أو إذنٍ أوإخطار ، فأخذنا نتصارخ معهم  بهذا الحوار الساخن:

قال أحدهم مستخفّاً بعقولنا :نحن مشرفين مسئولين عن المخيمات ...جئنا لأخذ الخيمة ، وقد جئنا من قبل عصراً وطلبنا من مخيمكم ترك هذه الخيمة.

فكانت المفاجأة لهم حين صرختُ بلسانهم: بأي حقٍ تقتحمون الخيمة دون استئذان؟كيف تقتحمون خيمة النساء في هذه الساعة المتأخرة من الليل ؟إن لم تنصرفوا حالاً سنصيح ونجمع الناس.

فأراد أحدهم الانصراف وحاول جرّ صاحبه ولكنّ صاحبه كان وقحاً فتماسك وأخذ يردد طلبه السايق فقالت لهم إحدانا: وكيف تأخذون الخيمة الآن والناس نيام؟

فأضفتُ :ولماذا لاتذهبون إلى مخيم الرجال؟وأين العمال إن كنتم صادقين ؟وجودكم هنا غير مقبول أحذِّركم للمرة الأخيرة.

فخرجا مسرعَين خائبَين،ولكنّي كنتُ ثائرة لوقاحتهم على اقتحام مخيم النساء في هذا الوقت المتأخر مخالفين بذلك عادات وآداب المجتمع السعودي المحافظ والذي هو أشبه بعادات بلدتي مصوع ولكن للأسف الكثير من العرب عموماً  يسيئون الظن بالمرأة الإرترية فهي عندهم إمّا الخادمة في البيوت أوهي العاهرة في (البارات) فمن المسئول عن هذه النظرة الدنية والدنيئة؟ .

وفي هذه اللحظات العصيبة قدم شابٌ إرتريّ إلى مخيمنا وكان عائداً من طواف الإفاضة، ففرحنا لقدومه وأخذنا نستنجد به،  لنحدِّثه بما حصل ونحن ثائرات ومنفعلات فإذا به يُشير بإصبعه إلى فيه أن اصمتوا ولاتزعجوا النائمين! وتوجه إلى أمه على أطراف أصابعه وأخذ منها غرضاً وانصرف!، ولم يتمعَّر وجهه غضباً ولاغيرةً ولم يحرك ساكناً ولم تقم في رأسه شعرة ، فعجبنا وسخرنا من موت النخوة في هذا الرجل الذي اكتفى بقوله (سأخبر المسئولين) .

فقالت لي الفتاة :( لو كان هذا الرجل منَّا أومنكم لأقام الدنيا ولم يقعدها ،ولكنه من القومية الفلانية ...ليس فيهم الحمية ولا النخوة) ،لكن سيدة أخرى من نفس قومية هذا الشاب قالت لي في اليوم التالي:(ياابنتي  هكذا أصبح حال الرِّجال في ارتريا بكل قومياتهم الكلُّ يخاف على نفسه).

 فيأيُّها الرجال في ارتريا هل هذا الاتهام باطل؟أرجو أن أسمع منكم إجابة وأرى لكم أفعالا!

لم يأت أحدٌ من المسئولين حتى استسلمت إحدانا للنوم فخشيتُ على الفتاة الأخرى لأنها بيضاء و جميلة فأعطيتُها سكيناً لتدافع عن نفسها في حال الخطر، وقدشعرتُ أنها هي المستهدفة، وانصرفتُ بعد ذلك إلى مكان نومي في القسم الآخر من المخيم ،ولكن لم أستطع النوم فأخذتُ أرقب المخيم فلمَّا شعرتُ بحركة مريبة انتفضتُ وأيقظتُ جميع النساء وكذلك فعلت الفتاة ومن المواقف الطريفة أن قالت لنا إحدى النساء ببراءة ومسالمة :(أين السارق؟مادام قد هرب انتهى الأمر ناموا ودعونا ننام).

فقالت لهم الفتاة: السارق هنا ليس مثل السارق في ارتريا ...ذاك يأخذ غرضاً ويهرب ...أمَّا هنا توجد عصابات تختطفكن وتغتصبكن ثمَّ تذبحكن وتلقي بكن خلف هذا الجبل ).

وبعد كل هذا الضجيج والهرج والمرج حضر ثلاث رجال من البعثة،وجاءنا زعيمهم متبختراً متعاظماً قداصطحب معه مرافقه الذي يبدو وكأنَّه العبد الخادم،أمَّا الثالث فكان عاقلاً ولكن لاأحد يسمع له،ودار بيننا حوار الطرشان هذا:

سألنا:مالذي حدث؟

فلانكاد نشرح حتى يقاطعنا فلم يفهم المشكلة أولايريد أن يفهمها ولايتفاهم معنا في كيفية حلِّها فمنذ البداية لم يكن مستمعاً جيداً.

قلتُ له: لنقدِّم بلاغاً للشرطة بما حدث البارحة أونقدم البلاغ             للمسئولين عن هذا القسم من مخيم الحجاج.

قال :وماذا سنقول ؟ نحن لانعرف المجرمين.

قلتُ له :لكن نحن نعرفهم  ليجمعوا لنا المشرفين في هذا القسم و نحن  النساء الثلاثة نستطيع أن نعرفهم و نشهدعليهم ، وإن كان الشابان كاذبين وليسا من المشرفين تستطيع الشرطة البحث عنهما وسيكون عقابهما أشد.

فقال:  كيف نشتكي وما عندنا دليل؟ هل عندكم دليل ؟ قلتُ له: في هذه الأمور قول المرأة مصدّق ولاتحتاج إلى دليل ثمّ نحن ثلاثة شهود.

فلم يقبل منَّا هذا الحلّ ، وسكتنا لنستمع إلى الحل الذي عنده، فتمخض الجبل فولد فأراً، حيث طرح هذا الحل العجيب الغريب والذي جعلني أفهم لماذا البعض من الشباب المتعلم في ارتريا فقد عقله ،لاشك أنَّ التعامل مع أمثال هؤلاء المختلين يُذهب العقول .

قال الرجل الخارق :المطلوب منكن الآن... إذا عادوا مرةً أخرى أن تسرع إحداكن خلسةً فوراً إلى مخيم الرجال وتوقظني من نومي؟!.

قلنا له :أليس من الأسهل أن نصرخ في مكاننا فنجمع الرجال والنساء؟!!وإذا كانوا مسلحين كيف يمكننا الحركة؟

فإذا بالرجل الخارق يختال بالوظيفة التي يتبوَّأها ليقول بغرور وغرر:

إذا كان لديهم أسلحة فنحن لدينا جوازات دبلوماسية ،وقد كنتُ مدعواً لمؤتمر الحج ولكن اعتذرتُ لمرضي وأرسلتُ من ينوب عني.

عند هذه المقولة كدتُ أنفجر ضاحكة ولكني كتمتها وقد علمتُ أني أمام رجل غير عاقل ،وللأسف لم يستمع أحدٌ للمسئول العاقل الذي اقترح تعيين حارس لمخيم النساء كما هو حال المخيمات الأخرى لبلاد العالم،ولكن دون جدوى أصرَّ (السوبرمان) على حله الوحيد ،مستعيناً ،بخادمه صاحب الوجه المخيف الذي مافتئ يلوِّح بيده يرفعها في وجوهنا ليضربنا كفَّاً ،ويصرخ بنا( استمعن وأنصتن وإلاّ....) وكأنه يخاطب أطفالاً أو إماءً لنعمل بما يراه سيده حلاً.

فأخذ يقول الرجل الخارق:هيّا من منكن تذهب معي لأريها مكان نومي في المخيم ... لتوقظني من نومي عند عودة المجرمين هل تعجزنَ عن هذا الحل؟

فكان لابد من الخلاص من المجانين بمجاراة عقليتهم فذهبتُ معه لأرى مدى جديته فيما يقول، وعند باب المخيم أشار إلى مكان نومه ويشرح لي كيف أجتاز كلّ هؤلاء الرجال بما فيهم زوجي وأختاره من بين الجميع وأوقظه من نومه لينقذنا ياله من رجلٍ خارق!!!.

عدتُ أدراجي لأحكي لهم عن الرجل الخارق وقضينا ليلتنا نضحك من هذا الموقف  الساخر، وتساءلتُ إذا كان هذا حال المسئولين في مؤسسة دينية فكيف هو حال بقية المؤسسات في ارتريا؟ وقد كان هذا قبل عشر سنوات فهل الحال اليوم في تطوُّر أم تدهُّور؟ أرجو أن يكون الرجل الخارق قد ترك هذه المسئولية، والحمدلله أني لم أعرف اسمه ولاوظيفته ،ولكنه ترك ذكرى لاتُنسى في كل عام من شهر الحج.

   مريم دنكلاي

 

 

جميع حقوق النشر محفوظة مجلة النهضة2001-2002