*************************   

اللاجئون الارتريون ... أزمة فقر ونزاعات أم أزمة حريات عامة

كرار هيابو  
الولايات المتحدة

hiabu1_k@yahoo.com

  2008/6/21

وجه الامين العام للأمم المتحدة رسالة بمناسبة اليوم العالمي للاجئين الذي صادف 20 يونيو  ، وعزا الامين العام اسباب اللجوء (اضطرار الناس الى ترك ديارهم) الى تفاقم النزاعات والفقر حيث قال (والنزاعات والفقر ، وهما السببان الأكثر شيوعا لاضطرار الناس الى ترك ديارهم مشكلتان آخذتان الآن في التفاقم بفعل تغير المناخ ، وتزايد ندرة الموارد ، وحالات نقص الغذاء – وهي عوامل قد تؤدي الى مزيد من انعدام الأمن في المستقبل . ومما يزيد من صعوبة هذه التحديات أن مسؤولية منح اللجوء تقع بدرجة غير متناسبة على عاتق الدول النامية. فخلافا للتصورات العامة في كثير من الدول الصناعية ، تتحمل البلدان النامية في واقع الأمر عبء استضافة عدد أكبر من اللاجئين رغم محدودية مواردها )

وكانت تقارير سابقة لمنظمة الأغذية العالمي ( الفاو) قد ذكرت ان حوالي 31 دولة حول العالم تواجه خطر المجاعة ، وان 26 دولة من بين تلك الدول توجد في افريقيا ، كما أوردت اذاعة البي بي سي الانجليزية تقريرا في حينه عن حالة المجاعة وأزمة الغذاء في بعض الدول الافريقية وقد إشتمل التقرير على أحاديث لأسر لم يكن لديها ما تسد به رمق صغارها لايام عدة

وبالمقارنة فان الحالة التي يعيشها الشعب الارتري هذه الايام والمتمثلة في أزمة الغذاء والوقود ليست استثناء ، بل هي جزء من هذه الازمات التي تعيشها كثير من شعوب العالم ، وكذلك الحال بالنسبة لظاهرة هجرة الناس لاسباب مختلفة ، أغلبها موضوعي ، إن لم يكن جلها ، ويمكننا في هذه الحالة مطالبة الجميع ، حكومة وشعبا ، بشد الأحزمة ، ومد حبال الصبر حتى تنجلي الأزمة ، ونقوم في ذات الوقت بمضاعفة الجهود لمواجهتها ، والتقليل من وقعها على مفاصل الحياة العامة ، وذلك من خلال الاشراك الفعلي لقطاعات الانتاج  والمؤسسات المختلفة ، والهيئات المتخصصة ، جنبا الى جنب مع مجهودات الحكومة ، والاستفادة من امكانات المنظمات الدولية والاقليمية العاملة في هذا المجال ، هذا ان كانت هناك بالفعل دولة مؤسسات ، تقوم بتنظيم شؤون البلاد والعباد ، ورعاية مصالحهم ، وصيانة حقوقهم

ولكن نجد ان الحالة في ارتريا ظلت كما هي عليه الآن ، فلا يكاد ينفرج لها حال الا وينفرط الى الأسوأ ، لدينا عشرات الجبهات ، بل المئات، جبهات على الحدود ، وجبهات على الجو ، وجبهات على البحر ، ما ان تهدأ جبهة ، حتى تقوم أخرى بأشد ضراوة ،  وهناك جبهات أخرى على الشعب ، شيبا وشبابا ، أناثا وذكورا ، من سماتها الحجر على المواطنين ، العقاب الجماعي لفئات من المجتمع ، غياب المحاكم التي تنظر الى التظلمات ، سلطة الفرد المطلقة في جميع الهياكل الادارية ، عدم رد الاعتبار للمظاليم. ولئن كانت للجبهات الاولى ما يبررها عند البعض ، فان الجبهات الثانية هي سبب هذه الكوارث والبلاءات التي نعيشها منذ أمد ، والحكومة تعمل على تكريس هذا النمط من الحياة بغيابها ، أو ربما بانشغالها مع من هو خارج الحدود ، إن بدا لها باغتته ، وان تركها تعرضت له

ان هذه الاحوال التي يعيشها الشعب اليوم فرضت عليه أن يبحث عن مخارج طوارئ غير مبال بما ينتظره من غد ، اللهم ان يخرج عن هذه البلاد التي افقدته الامن والامان في نفسه ، واهله ، بسبب سوء ادارة ، وسوء تقدير ، ليجد نفسه مرة أخرى في مواجهة أحوال أسوأ ، وظروف أخطر ، فهو يهرب من ظروف قاهرة في بلده ، ثم ما يلبث حتى يعود اليها مرغما ، بعد أن توصد امامه كل ابواب الدنيا بما رحبت ، انه مشروع الازلال الذي يتعرض اليه الشعب الارتري

ان كثيرا من الازمات غير المحتملة وقعت في ارتريا ليفاجأ بها الشعب ، وكانت سهلة الحلول ، والمواجهة ان صدقت النيات ، والازمة الاخيرة مع جيبوتي مثالا وليس للحصر ، ومع ذلك فان الشعب وبما بقى له من العزيمة سيواجه مصيره كما يفعل كل مرة , لكن الذي لا يحتمل هو ان تلاحق اللعنات الشعب الارتري اينما حل ، فها نحن الان أمام لعنة اخرى تتمثل في إعادة مئات من الشباب الذين فروا  من البلاد هائمين على وجههم ، يجمعهم القدر في محافظات مصر ، ثم يتنادوا الى القاهرة ليتم ترحيلهم جميعا ، رغم نداءات العالم بمنحهم فرصة أخرى للحياة الامنة بعيدا عن وطن لا يستطيع استيعابهم ، بل ظل طاردا لهم منذ ان عرفهم وعرفوه ، فيحملون حملا الى ارتريا ، وهم لها كارهون ، ليقفوا بين يدي جلاد ، وكأنهم كانوا على موعد معه

ان ظاهرة اللجوء في ارتريا أضحت احد السمات الملازمة للارتريين اينما وجدوا ، فهي تلازمهم في كل الاحوال والظروف ، اذ انه لا تخلو نقطة عبور في العالم الا وجد بها ارتريا ، ولا يزال المسير يتواصل ، طوابير على نقاط العبور في الحدود السودانية تنتظر دورها للمرور ، نسوة وفتيات يتعرضن للمضايقات على ايدي متدربين شبان ، أو عساكر ورجال أمن وضباط ، كل يستخدم سلطته ليفوز باحداهن ، لايهم ان كان ذلك امام أحد والديها ، أو اخوتها ، أو أي من الاقارب والمعارف ، ولا بأس لطالما ليس لديهن (بلد) يسأل عنهن ، ويدافع عن كبريائهن ، ثم ما فائدة المقاومة ، ان كان حال البلاد هكذا ، وحال السودان يغني عن الحديث هو الاخر ، أزمة مماثلة في دارفور ، وأخرى في امدرمان ، ان لم تكن كل البلاد في ازمات ، فحالهن كحال المستجير بالرمضاء من النار

 ان أزمة الفقر والنزاعات التي اشار اليها الامين العام للامم المتحدة في كلمته تلك وأزمة الحريات العامة هي التي أفرغت ارتريا من شعبها ، واضحت سجنا كبيرا لمن لا يزالون بها ، يتحينون الفرص للمغادرة دون وداع أهل ، ودون أخذ متاع ومدد ، وهم لايدرون ان العالم لم يعد متحضرا كعهده ، بل بات عالما لا يبالي ، فمن يخبرهم إذن أن الخروج من هذا السجن يماثل البقاء فيه

 

جميع حقوق النشر محفوظة © مجلة النهضة2001-2002