*************************   

 

دكتاتورية الديمقراطية

Thedictatarship of Democracy

بقلم / عمر جابر عمر

 ملبورن  استراليا

2008/6/25

هذا مصطلح غريب – اليس كذلك ؟ ولكن المشكلة هي أنه حقيقة ملموسة وواقع معاش !!. لنعرف أولا معنى الدكتاتورية حتى نرى كيف أن الديمقراطية أيضاً يمكن أن تكون ( دكتاتورية ) يقول البروفسور ( جوزيف شان ) من جامعو ( هونج كونج ) !

الدكتاتورية نظام للحكم تمارس فيه السلطات دون موافقة الذين يخضعون للحكم ، وبالمقابل فان ( التوتليتارية ) هي إدارة شمولية لكل مناحي الحياة – العامة والخاصة . بمعنى أخر فأن الدكتاتورية تتعلق بمصدر ( مصادر ) القوة للحكم بينما التوتليتارية هي حول مدي اتساع تطبيق ذلك الحكم وبهذا التعريف فان الدكتاتورية ( الحكم دون موافقة الشعب ) هي عكس الديمقراطية ونافية لها . بينما التوتليتارية .هي نقيض الليبرالية حيث تتوفر مساحة لحرية الفرد . والأنظمة الدكتاتورية كانت سائدة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط وحتى أوربا ( اليونان ) كان ذلك بسبب الحرب الباردة وأنقسام العالم إلي معسكرين . وأمريكا كانت تتقاضى عن الانظمة الدكتاتورية طالما رفعت شعار معاداة الشيوعية والدكتاتورية قد تكون عسكرية لأن الجيش أكثر قطاع تنظيماً في المجتمع ( بورما نموذجاً ) وقد تكون فردية  ( أمبراطور أو ملك ) وقد تكون حزبية ( الحزب الواحد وقد تكون خليط من كل ذلك ( إريتريا نموذجاً ) .

والآن كيف يمكن أن تكون الديمقراطية دكتاتورية ؟.

الديمقراطية هي أبداع بشري وهي ليست أفضل النظم ولكنها كما قال ( ونستون تشرشل ) : الأقل سوءاً الدكتاتورية هي احتكار وأستئثار وامتياز وتميز لفئة أو مجموعة أو حتى فرد بينما الديمقراطية هي ممارسة الحقوق  ومن ضمنها حرية الأختيار – ولكن تلك الحرية محدودة ومقيدة – كيف ؟ .

لنأخذ نموذج أمريكا – قائد العالم الحر وأم الديمقراطية – الحياة كلها موضوعة في قوالب ثابتة لا تهتز ولا تتبدل – الشركات الصناعية الكبرى ( بترول – سلاح – أدوية – تكنولوجيا – أغذية – الخ ) والحياة السياسية مقسمة إلي حزبين رئيسيين : ديمقراطي وجمهوري – لا ثالث لها – عليك أن تختار أحدهما . هناك مرشح دائم للرئاسة الأمريكية أسمه ( رالف نادر ) يتهمه الديمقراطيون بأنه أداة في يد الجمهوريين لتشتيت الأصوات . وهناك رجال أعمال مليونيرات يرشحون أنفسهم ولكن لا مجال للفوز . أي أن الأمريكي محكوم بأن يكون رئيسه أما ديمقراطياً أو جمهورياً وإذا رفض ذلك الاختيار عليه أن يجلس في بيته . والفرق بين الجمهوري والديمقراطي قليل خاصة في السياسة الخارجية . الجمهوري يقول بالتدخل في العراق بينما الديمقراطي  يقول  بالحوار مع إيران وليس ضربها عسكرياً .

يختلفون داخلياً في مظلة التأمينات الأجتماعية والرعاية الصحية والضرائب وهذا ما يحاول ( باراك أوباما ) أن يفعله دون الخروج علي النظام العام والقوالب الثابتة .

هذا يذكرنني بنكتة مصرية عن الرئيس ( حسني مبارك ) لقد أتهمه خصومه بأنه يعمل علي توريث أبنه ( جمال ) للسلطة ولكن الرئيس المصري نفى ذلك تماما وقال أنا قلت أن لي أبنان أثنان – جمال وعلاء – وعلي الشعب المصري أختيار أحدهما – لن افرض عليهما أحد !!  صحيح أن العامل الثقافي والخلفية الدينية أيضاً تؤثر علي إيقاع التطور الديمقراطي في مجتمع ما – وكلما كانت المفاهيم والمقاييس ثابتة ومتجذرة كان التغيير بطيئاً وربما مستحيلاً . والعالم الثالث – ونحن منه – محكوم بمتغيرات وعواصف تهب عليه من الداخل والخارج وتجعل قراءة مستقبله مسألة صعبة واقرب ما تكون إلي الرجم بالغيب.

 نظام الحكم في إريتريا دكتاتوري ولكن ماذا عن المعارضة ؟ هل هي ديمقراطية ؟ وأذا كانت كذلك فالدكتاتورية ، أيضاَ ستلحق بها ولكنها دكتاتورية الديمقراطية ! كيف ذلك ؟.

قلنا أن الدكتاتورية هي احتكار – والمعارضة احتكرت تمثيل الشعب وجعلت من منظمات المجتمع المدني مراقبين ! حضرت اجتماع الجالية الإريترية في استراليا الذي تم فيه اختيار المندوبين إلي المؤتمر ( أديس ابابا ) – وكان الشرط الذي وضعته اللجنة التحضيرية للمؤتمر هو أن يكون المرشح مستقلا – أي غير منتمياً ، إلي أي تنظيم من تنظيمات التحالف . ولتسهيل مهمة الأختيار قام المشرفون علي الأنتخاب بتقسيم الحاضرين إلي مجموعتين : المستقلون والملتزمون . كان عدد الملتزمين أقل من عدد أصابع اليدين في حين أن عدد المستقلين كان أربعة أو خمسة أضعاف ذلك العدد !! . من يمثل الأغلبية يكون مراقباً ومن يمثل الأقلية تكون له العضوية الكاملة – يقرر وينتخب ! . اللحجة التي ستقال هي أن المؤتمر خاص بمنظمات التحالف ؟ حسناً ولكن من الذي أعطى تلك المنظمات تفويضاً لتمثيل كل المعارضين ؟ .

المعركة ليست بين منظمات وأحزاب التحالف الديمقراطي من جهة والنظام الدكتاتوري من جهة ثانية – أنها بين الشعب وبين الدكتاتورية – الصيغة التي تناسب ذلك هي معارضة تمثل كل الشعب – كيف ؟ هذا ما يجب أن تعمل من أجله منظمات وأحزاب المعارضة .

مظهر أخر من مظاهر الدكتاتورية الديمقراطية وأن كان يبدو لأول وهلة عكس ذلك  القرار الذي أتخذه مؤتمر التحالف بأن تكون القرارات بالاجماع ! لا مجال لأقلية أو أغلبية ( وهي الصيغة الديمقراطية ) وصيغة الاجماع هي نفى لحقوق الأغلبية ومبالغة في الاعتراف بحقوق الأقلية أنها صيغة وفاقية توفيقية تعمل علي تجميد أي تفاعل حقيقي بين قوي التحالف  وتوقف مجالات التطور المستقبلي فيه . لماذا هذا الحديث الآن وبعد نجاح مؤتمر التحالف في تجاوز العقبات والاتفاق علي ما أتفق عليه ؟ .

أنه من جهة تحذير من مخاطر المستقبل والتأكيد بأن الديمقراطية رغم أنها خيارنا الأوحد الآن الا أن ذلك يتطلب منا الابداع وتغذية تلك التجربة البشرية بمعطيات الواقع الإريتري وطموحات المواطن الإريتري وتكوينه الثقافي والاجتماعي . لنجعل من الديمقراطية ممارسة يومية ورؤية مستقبلية والتواما شعبياً وتلوينها وتشكيلها بتراث الإريتري وبهذا سنحد من انحرافات الديمقراطية التي  تعاني منها بعض الشعوب وسنضعف التوجه الدكتاتوري الذي يصاحب كل تجربة ديمقراطية .أن ( بذرة ) حب الاحتكار ووالاستئثار والتميز مغروسة في النفس البشرية وهي تنمو إذا وجدت بيئة فاسدة وعلاقات نفاق سائدة وستجعل من الديمقراطية مظهرا دون محتوي .

كيف يمكن إصلاح ذلك ؟

علينا بزرع الصفات الحميدة والمعاني النبيلة وأن نسقيها بما هو إيجابي ( المراقبة – المتابعة – الصدق --- الخ ) بحيث يكون الحصاد : العطاء بدلا عن الاحتكار – الايثار مكان الاستئثار --- المشاركة وحب الآخر  و احترام رايه بدلا عن التميز وحب الامتياز .

 

جميع حقوق النشر محفوظة © مجلة النهضة2001-2002